الأربعاء، 11 يناير 2012

صندوق الدنيا

حول كتاب "صندوق الدنيا" لإبراهيم عبد القادر المازنى

استوحى الكاتب اسم كتابه – كما يقول فى مقدمته – من ذلك الصندوق الذى كان وهو طفل يجلس إليه فى شوق وينظر ما فيه من صور فى فرح وسرور , فصار عندما شب عن الطوق يحمل الصندوق على ظهره ويجوب به الدنيا يجمع مناظرها وصور العيش فيها ويقدمها للقراء فى كتاباته فلا يعدمون منها متعة أو سلوى .


 هذا بالنسبة لاسم الكتاب , أما بالنسبة لمحتوياته فهو يضم عشرين مقالا كتب معظمها بأسلوب ساخر عرف به المازنى واشتهر , وسأتحدث فيما يلى بشئ من الاستفاضة عن بعض هذه المقالات وعن رأيى في بعض ما طرحه الكاتب خلالها من أفكار قد أتفق أو أختلف معه بشأنها .


 "الصغار والكبار" و "الطفولة الغريرة" .. لماذا نمارس القهر على أبنائنا ؟


 يتحدث المازنى فى المقال الأول " الصغار والكبار "عن نظرة الصغار إلى الكبار من خلال حوار شيق يدور بينه وبين ابنه الذى يرى أن الكبار ينظرون إلى الصغار على أنهم أغبياء بلداء لا يصيبون أبدا , بينما هم – أى الكبار - العقلاء الحكماء الذين لا يخطئون أبدا , ويقترح الأب على ابنه الساخط على الكبار أن يشاركه فى تأليف كتاب " المختار فى تهذيب الكبار" تقلب فيه المسألة فيمارس الصغار دور الكبار والكبار دور الصغار , أما فى المقال الثانى " الطفولة الغريرة " فيرى المازنى أن وظيفة الآباء والأمهات فى بلادنا تكاد تكون صرف الأبناء عن النظر والتفكير وإلزامهم الجمود ونهيهم عن كل حركة جسمية أو عقلية , فكل شئ يصدر عن الطفل معيب وخطأ ولا شئ فيما يرى الطفل محمود مشكور , ويروى بعض المواقف التى تعرض لها وهو طفل كان يعامل خلالها بنفس هذه الطريقة , ورغم أن المازنى كتب هذا الكلام منذ عشرات السنين لازال بعض الآباء والأمهات يستخدمون نفس هذا الأسلوب القائم على القهر فى تربية أبنائهم مما يؤدى إلى كبت أفكارهم والحد من قدراتهم والحيلولة دون إبراز مواهبهم وتنميتها , فضلا عن ضعف ثقتهم بأنفسهم , وينبغى على الآباء والأمهات لتجنب ذلك أن يمنحوا أبناءهم قدرا أكبر من الحرية للتعبير عما يدور بداخلهم من أفكار أو آراء أو استفسارات دون خوف من اللوم أو العقاب .


 أشق المحادثات .. وتحامل المازنى على المرأة


 يصف المازنى المرأة بأنها لا تكف عن الثرثرة ولا تعطى الرجل الذى تتحدث معه أية فرصة ليعبر فيها عن نفسه أو ليقول رأيه فيما تقول , ورغم أن المرأة لا تكف عن الكلام فإنها فى الوقت ذاته لا تنفك تنكر على الرجل صمته وتستهجنه منه أو تعده دليلا على أن فى نفسه شيئا من ناحيتها .. إلى هنا ويبدو أن المازنى لم يأت بجديد فقد سبقه ولحقه فى اتهام المرأة بالثرثرة كثيرون , ولكنه لم يكتف بذلك بل أضاف أن محادثة النساء أشق من محادثة الصم !! إن محادثة الصم كما يصفها المازنى صياح من جانب وبعثرة للمواضيع من الجانب الآخر, فأنت مطالب عندما تحادث أصم بأن ترفع صوتك بأقصى ما تستطيع وتقترب جدا
من أذن من تحدثه عسى أن يسمع ويعى , كما أنك تضطر لتكرار ما تريد أن تقول مرات ومرات , ورغم كل هذه المعاناة التى يعانيها المرء فى محادثة الصم فإن محادثة النساء فى نظر المازنى أشق !! ياله من ظلم بين لنا كنساء .


 أبو الهول وتمثال مختار


يعقد المازنى مقارنة بين أبى الهول وتمثال مختار حيث يرى أن الأخير على براعته لا شئ إذا قيس بالأول , ودون الدخول فى تفاصيل تلك المقارنة أو عرض مآخذ المازنى على تمثال مختار فإن ما أعجبنى أن المازنى فكر ولم ينسق وراء الرأى السائد عن التمثال – منذ أن رأى النور - والقائم على الإشادة الدائمة به , بل قدم لنا نظرة مغايرة عن النظرة المعتادة ورأيا مختلفا عن الرأى السائد , وإذا كان المازنى ليس ناقدا فنيا – يقول عن نفسه أنه أجهل الناس بالفنون – إلا أن ذلك فى رأيى لايسلبه حقه فى أن يقول رأيه طالما التزم بالموضوعية وابتعد عن الأهواء والمصالح الشخصية ... ليتنا نفعل كما فعل المازنى فى هذا المقال ونفكر دوما فيما يطرح علينا من أفكار وآراء ولا نتقبلها على أنها حقائق لا تقبل المناقشة , فذاك أفضل من ثقافة القطيع التى نتبناها دوما .


عاطفة الأبوة


 أختلف مع المازنى فى هذا المقال فى نقطتين :

*ذكر المازنى أنه يسهل على الرجل أن يحول عاطفة الأبوة إلى مجرى آخر , فالذين يتبنون الآداب أو الفنون أو العلوم أو ما شاكل ذلك قد اعتاضوا من الأبناء هذا الذى شغفوا به , وأنا أختلف معه فى رأيه هذا لأنى أرى أن عاطفة الأبوة – مثلها مثل عاطفة الأمومة – لا يعوضها شعور آخر , والدليل على ذلك أننا كثيرا ما نجد رجالا حققوا نجاحا كبيرا فى حياتهم العملية ولكنهم يشعرون أن ثمة شيئا ما ينقصهم نتيجة غياب الأبناء , وإذا كان البعض يختار أن يضحى بالأبناء فى سبيل أشياء أخرى – وهؤلاء لا شك استثناء من القاعدة - فإن ذلك الاستثناء ليس قاصرا على الرجال بل يشمل الرجال والنساء .

*استشعرت من بعض العبارات التى قالها المازنى عن المرأة أنه لا يرى للمرأة وظيفة أخرى سوى أن تلد وترعى شئون أبنائها , ورغم عظم هذه الوظيفة التى لا يمكن لنا أن نزدريها أونقلل من شأنها إلا أن المرأة – إلى جانب ذلك – قادرة على القيام بمهام أخرى وتحقيق النجاح فيها مثلها مثل الرجل , ومن غير الإنصاف القول بأن المرأة إنما خلقت لتكون أداة للنسل ووسيلة لحفظ النوع .

صورة وصفية لصحفى


وهو من أكثر المقالات التى استمتعت بقراءتها فى الكتاب , وهو أول مقال قرأته حتى قبل أن أكمل المقدمة , ذلك لأننى أعمل فى مجال الصحافة ومن ثم شدنى هذا العنوان كما لم تشدنى العناوين الأخرى , وقرأته بشغف , وقد أعجبنى جدا , وظنى أن المازنى بالصورة التى رسمها لذلك الصحفى البائس الذى يستحق الشفقة يود أن يقول لكل صحفى مبتدئ حباه الله جمال الأسلوب ولكنه يفتقد الثقة بالنفس ويهاب مواجهة الناس أن موهبته فى الكتابة لا تضمن وحدها نجاحه فى مهنة الصحافة , فالقدرة على التعامل مع نوعيات ومستويات مختلفة من البشر تعد شرطا أساسيا للنجاح في هذه المهنة , وهى نصيحة هامة لأولئك الموهوبين الذين يعتقدون أن موهبتهم فى الكتابة كافية وحدها لنجاحهم فى مهنة الصحافة , وهو اعتقاد غير صحيح .


المقال فاز بجائزة جريدة المصرى اليوم فى مسابقة برنامج عصير الكتب لكتابة مقال حول الكتاب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق